أحن إلى ” مضير” أمي

Posted on أغسطس 19, 2013
am faisal

                                           أم فيصل – الرياض


سأتوجّد هنا على ماكانت والدتي تخلقه بين يديها كما كان يتوجد درويش على خبز أمه ، 
وعليكم مراعاة الفوارق المكانية.. وسحنات الجغرافيا أيضاً .

 * مضير : بقل وبلغة أخرى : إقط


:: العهد القديم – هوشع البدوي – سفر : يحدث صباحاً دون غيره

ترفع سارة بنت تركي خصلتها عن جبهتها المعتّقة ، وبشيء من الحرفية البدوية تقتحم ذلك الشبك المتهالك  .. تتجه صوب تلك الممتلئة لتحلبها .. تحت ثدي الماعز تتكئ غضارة تبدو من العهد البائد ..ينضح ذلك القدح بالأبيض بصوت كورالي أخاذ وأنا أمارس بدوري لذة المعرفة الأولى .. كنت أقف خلفها .. متلهفاً .

تقبع قريتنا المتصحرة أعالي نجد .. تموت كل ليلة بُعيد الصلاة الأخيرة حينها ترفع بنت تركي الغضارة المتعجنة أعلى ” بلكة ” قد برزت من جسد السور الخفيض  ..صوت الريح .. أغنيات الجراد .. وأشياء أخرى تقاسمني فراشي الرفيع الذي تعتليه مخدة محشوة بقطن تالف .. يتوسطها رأس صغير  ..بطانية لم يترك صانعها الباكستاني لوناً إلا ولطخه  بها ، وساقان عابثتان .

تتمثل المرحلة التصنيعية “المضيرية” الثانية من تجفيف الحليب الدافئ لعدة ساعات حتى يتصلب أو.. يسقط من علٍ ..!

– فيصل .. فيصل  .. صلّ ..صلّ .. الصلاة

صوت والدي وقد اخترق هدوء الفجر .. درجة الحرارة تقترب من الصفر .. أتحسس تلك البطانية .. أجدها قد تلّوت بين قدمي .. وابتعدت مخدتي بعيداً عن رأسي ، فيما انحسرت فنيلتي ” ماركة غزال ” عن بطني .

نهضت :

– سم .. سم  يبه

أسير بخطى من نعاس  وثياب تزيدني صقيعاً كلما لامست جسدي .. الهدف كان الماء .. لـ أتوضأ استعداداً للصلاة .. بالعرف البدوي يمثلان التهاون بالصلاة  والتدخين خسفاً أخلاقياً مهلكاً .. تمسك يدي الصغيرة ذلك الصنبور المعدني العتيق ، ينسكب الماء بتردد .. تخترقه أصابعي لـ تتأكد أنه يجري على مايرام ..

تشرع المعاناة لي أبوابها ، أذكر تماماً كيف كانت ارتجافات يدي ترغم الماء على التطاير بوجه الميضأة الإسمنتية .. أكمل طقوس الوضوء .. أمسح وجهي الصغير بـ الجاف من ثوبي ، يتسرب إيمان فطري دافئ مايلبث إلا أن يتلاشى مع أول نفحة هواء قارسة ..

 تقرع قدماي الأرض الباردة متجهاً لذلك المسجد الطيني والذي لايبعد كثيراً عن البيت .

– الله أكبر .. صوت والدي الغائر بالسكينة معلناً بدء الصلاة

أرفع ذراعاي .. أتمتم بشيء من التثاؤب :

– الله أكبر ..

– الحمد لله رب العالمين الر…..

فجأه ، تغلق عيني أبوابها لأغط بنوم لذيذ .. يلكزني أخي المؤمن بعد أن ركع .. كالمفزوع أنتفض .. أحدث نفسي :

– ألا ينقض النوم الصلاة ، لم لا أذهب لفراشي إذاً ..!

– سمع الله لمن حمده .. الله أكبر

يخرس أبي هواجسي بصوته مره أخرى ، اقذف نفسي للأرض ساجداً ..يتكرر المشهد بالركعة الثانية ،

– السلام عليكم ورحمة الله

ينهي الإمام صلاتنا الجماعية .. ما إن التفتُ يساراً مسلّماً حتى أهمّ بالخلاص ، أقف نافضاً جبهتي من أثر التراب  ، قبل أن ينهرني أبي :

– فيصل ، اقعد .. سبّح واستغفر .. لن يطير النوم ويتركك

أرفع صوتي مذعناً :

– اس س س ..!

يقوم أخي بعد أن فرغ من التسبيح .. وذلك يعطيني إشارة انطلاق لمخدعي الذي اشتقت له .. ترتسم تلك الابتسامة الناعسة على الجزء الأسفل من وجهي ، أقدامي تتصارع للوصول مبكراً لفراشي القبيح .. حينها تكون سارة الجميلة قد حضّرت القهوة .. وملأت ذلك الصحن المعدني بتمر سكري يسر الناظرين ، لاشأن لي بها كله .. شأني الوحيد الآن هو أن أهطل برأسي المتجمد على مخدتي لإكمال نومي الذي حرمت منه .. فقط

تتمثل المرحلة التصنيعية الثالثة بـ ” الخض ” حتى تتراكم ” الخواضة ” داخل ” الصميل ” .. كانت حدوتة الخضخضة تستغرق دقائق طويلة وجهداً أطول باستخدام الأيدي وربما الأرجل قبل أن تشكّلها أمي بيدها ، ناحتة ً عليها تعرجات أصابعها .. وتضاريس كفها الباطن ، حينذاك أكون قد قذفت رأسي بحضن صديقتي القريبة مخدتي والتي تشبه رأس فرس نهر .

تمر الدقائق وأرجل الرجال على الحصيات الصغيرة التي فُرش بها الحوش مصدرةً صوت  خشخشة  مزعجة .. أنقلب ذات اليمين .. ذات اليسار .. صوت قادم من بعيد :

– يابو سلطان .. ياولد .. أنقلب على بطني

صوت أبي مرحباً :

– تفضل ، حياك الله ..

لازلت ممتعضاً ، لم تشرق الشمس بعد .. بينما تترنح عيناي .. أتأفف :

– لاحول ولاقوة إلا بالله ..!

صوت آخر :

– يالربع

 ثم أصوات قادمة جديدة .

النوم يودعني خارجاً مني ولسان حاله يقول :

– ضيعت وقتي أيها المسوف .. تصبح على خير

رغم أني ليلة البارحة سهرت .. إلا أني خلعت ” الشرشف ” عن جسدي النحيل ناهضاً .. أرجو أن لاتقرؤوا كلمة ” سهرت ”  بصوتٍ عال .. ولأخبركم سراً على أن لاتخبروا به أحداً : نعم ، سهرت حد الساعة التاسعة .. جريمة أليس كذلك ؟

هذا ما يعتقده أبي ، والزمن آنذاك .

أبو منصور .. أبو فهاد .. أبو عواض ، كانوا عساكر متقاعدين .. وقد يفسر هذا سبب استعانتنا بالقوات الأمريكية حين حرب الخليج ..!

كان عليّ وأنا المخلوع من النوم أن أصبّ لأولئك الجنرالات القهوة واقفاً .. وممسكاً بالدلة لا أميل بها ولاتحيد عيناي عن أيديهم .. يمدّ أحدهم فنجاله كـ أمر عسكري نافذ ، أهرع بملء فنجانه للمرة العاشرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً .. كان علي أن أتفاعل مع الحكايات التي يقومون بسردها ، أبتسم ، أتعجب ، أحزن .. فالأيقونات التي ترتسم على وجهي تلك ضرورية لكي لا أكون : ولداً لايعلم مايجري حوله .

يصفع أبو فهاد “الزولية” الحمراء بعصاه ، يرفعها لتلامس كتفه ثم يبدأ بالحديث عن سيرة فارس كان متخصصاً بشذب رؤوس الأعداء من المنتصف ، لاشيء أقل من ذلك .. ثم يواصل تفنيد التفاصيل التي تتحدث عن أن الفارس الدموي لحق بمن كانوا يريدون نهب ” ذوده ” المتربع بأحد الفياض .. حاول اللحاق بهم ، كانوا ثلاثة  هرب الإثنان وبقي الثالث يركل فرسه جاهداً  ، وما إن اقترب منه صديقنا المتخصص حتى سلّ سيفه ، وبنفس طريقة الشذب المشروحة أعلاه طار نصف رأس المسكين عالياً ، فأخذ فرسه بالركض بدون نصف رأس راكبه الذي سال دمه اللزج على كتفيه .

ولكم أن تتخيلوا تلك اللقطة السينمائية المثيرة وعقارب الساعة لم تتجاوز السادسة .. صباحاً ..!

تواصل تلك السرديات تحليقها حثيثاً بالمكان .. ويبدأ التعب بحقن أرجلي ، وبإصبعي الأيسر الصغير الذي ارتفعت درجة حرارته بفعل ” الدلة ” ولكن الأمر لايبدو مهماً لـ أبو عواض والذي خلق الله القهوة له ، أرقب عروق يده النافرة على ” الشداد ” ..عينيه الناضحتين بخطوط حمراء .. وجهه المبتل بالاسمرار ، وبملامح مخيفة يقطع هذا كله فينادي :

– تقهو ياغليّم ..!

قبل أن يهشم قطعة من ” المضير ” بين أسنانه المتفرقة وهو يتمتم :

– شهي هذا الصنيع ..!

يغادر رؤساء المؤسسة العسكرية ساحة معركة أحاديثهم وأغادرها أنا للنوم مقسماً بأغلظ الأيمان ، أن من يتجرأ على إيقاظي فسأخنقه بأعراف القبيلة وسألهب ظهره بـ ” السلوم والعوايد ” ..!

15 تعليقات

  1. سلمى
    20 أغسطس، 2013

    كلام جميل يحكي واقع الكثير منا ، و لا غرابة في استلذاذنا لتلك الأجواء التي عشناها فالصغر و بفعل الحضارة و التطور دارت الأيام لنعيش في عالم مختلف تماما عما تربينا عليه في طفولتنا ..

    رد
    • فيصل العامر
      24 أكتوبر، 2013

      جمّل الله حياتك بالفرح يا سلمى ، أهلاً كثيراً

      رد
  2. reem
    20 أغسطس، 2013

    جميلٌ أنت
    حد اللامعقول ^_^
    كل الود لسموك 🙂

    رد
  3. ساره
    20 أغسطس، 2013

    ليت الحديث استمر عن مضير أمي طريقة الوصف في البداية ممتعه لكنك شتت ذهني بالنهاية ليتك ااستغرقت في الوصف كان ممتعاً جداً ..شكراً لك

    رد
    • فيصل العامر
      24 أكتوبر، 2013

      عفواً .. النص قديم .. لا أذكر ظروفه حتى ، بعض الكتابة من الخطأ مراجعتها

      رد
  4. منيره
    10 سبتمبر، 2013

    شي جميل الوصف راائع حسيت اني فوق السطح اطالع حياتكم من فوق سردك للاحداث مبدع بوركت يااخي

    رد
  5. فيصل العامر
    24 أكتوبر، 2013

    وبوركتِ منيره ، مرحباً بقراءتكِ

    رد
  6. بشرى
    22 سبتمبر، 2014

    هل فعلا كنت تعيش هكذا ؟

    رد
  7. بشرى
    31 أكتوبر، 2014

    مانوع هذه المقالة ؟

    رد
  8. Sirabdullah
    21 فبراير، 2016

    حفظه الله لك يا رب

    رد
  9. هاجر
    12 يناير، 2017

    جميلة الحروف اللي تسطرها للحد الذي يدفع بي نحو مقالٍ بعد مقال وكأني اقرأك واتصفحك وكأنك عالم غريب اتوق لاكتشافه كاملاً

    اسعدك الرحمن 💗

    رد

اضافة تعليق