عن ” مسامير ” أتحدث

Posted on ديسمبر 28, 2012


 أما بعد :

قبل نهاية 2010م ، كنت قد تركت جريدة ” شمس” – بسبب الرقيب أيضاً – وأتحضر للانتقال لـ ” الوطن ” أما هو فكان يحاول الفكاك من قناة الـ mbc .
فيصل عامر الحربي ومالك نجر العتيبي ، أو بتعريفٍ آخر : صوتين نحيلين ، حادّين ، التقينا للمرة الأولى في ملحق بيتي الصغير ، تربعنا أمام بعضنا نحتسي قهوة صنعتها الوالدة لنا ليلاً ، كائنان بدويان تحدثا طوال 7 ساعات عن كل شيء ، كان من يهمه أمرنا يتصل بنا ليتأكد :
” هل لازلتما على قيد الحياة أم أن أحدهم رأى أن خنقكم بغاز يرميه في ذلك الملحق الضئيل عملاً يستحق التجربة ..؟ ” 
بدا أننا نتشارك ذات الحكايات كملابس الصغار الرياضية ، ونتقاسم الرؤى كرغيفٍ لايجد صاحبه غيره ، بل ونسكن نفس الشارع الممتد كأحلامنا .
فمن ” قرفنا ” التلقائي تجاه العصبيات القبلية / المناطقية مروراً بماسحي الجوخ وصولاً لقهقهات مذيعة الـ fm .. نرى أن القنوات الوثائقية ممتعة عكس كرة القدم ، وبأن مخرج 9 لايستحق كل ماحدث له .
أخبرني بأنه يود إنتاج مسلسل كارتوني بحلقات متصلة يحمل اسم ” حارة مسامير ” تيمناً بحارة يذكرها حين كان طفلاً ، كانت فكرة الحلقات المتصلة تحتاج نفساً كتابياً طويلاً ، وهذا صنف لا أميل له كثيراً ، اقترحت أن يكون مسمى المسلسل ” مسامير” بحلقات منفصلة ، رغم أن خيار الاسم ظل قابلاً للتغيير إلا أن صمد أمام رياح الاقتراحات بعد ذاك .
اختارنا شبكة الإنترنت حيث تتمشى الحرية وينام الرقيب ونحن نعلق السؤال التالي أمامنا :  منذ متى جلس أحدنا أمام شاشة التلفزيون ؟

خطوة .. حرّة

رتبنا الحلقة الأولى “مسافر بجوانح ” وهي مقتبسة من مقال كتبته قبل سنة معنوناً بـ “مواطن بجوانح”، كان الأمر متعباً ، استغرق منّا أسبوعين لخمس دقائق ، تدريجياً أضحت هذه العادة ملازمة لنا نهاية كل حلقة ، فلم نرضى حتى كتابة هذه الحكاية عن أي حلقة صنعناها .
اخترنا أن يكون نص ” جعلوني كورجياً ” من كتابي شغب ، هو نص البدء عوضاً عن السابق .. لإيماننا بأن ” الشعب يتكلم : كورة ” ، نفذت الحلقة بالتاسع عشر من فبراير 2011م . حينها ، هطلت ردات الفعل بغزارة ، فمنهم من صفق ومنهم من رأى أن مشاهدة لعبة شطرنج بين روسيين مملين أكثر متعة من تلك الدقائق وآخرين تركوا رسالة مفادها : ماذا تقصدون ؟
وبعملِ كهذا لا تستطيع تخمين مايمكن أن يقوله المشاهدون ، أو يفعلوه على نحو ما .. عليك أن تتقبل كل هذا ، ثم تبتسم قبل أن تذهب لاحتضان سريرك ، كان السبت موعداً أسبوعياً كما كنا قد اتفقنا مع الراعي والناشر شفهياً ، وعليه كان من لزاماً أن نستثمر تلك السبعة أيام بفعل مانجيده . بدا الأمر مرهقاً ، فإنتاج حلقة من خمس دقائق كل خمسة أيام كفيل بخلع قشرة جمجمتك بالتأكيد .

مطب وطني

لا تجري الأمور على مايرام دائماً ، بدأت الظروف تتقاطر تباعاً ، البيروقراطيات ، التسويف ، المساومة زادت الأمر تعقيداً ، فحتى الحلقة التاسعة وجيوبنا خالية من أي مردودٍ مادي ، بمعنى غير بعيدٍ آخر : كنا نعمل مجاناً بينما يقبض أصحاب مسلسلات ” ازلق واطيح لكي نضحك ” ملايين الريالات وهذه سمة متكرره في بلادنا ولا تحتكر على صانعي الفن ، فالمطبلين ومروجي التفاهات هم من ينتفع ، بينما يغلف غيرهم ويرسل لسلة المهملات الوطنية . حينذاك ، توقف كل شيء وبدأ المسلسل مهدداً بالأفول وهو لم يكمل ربع المسافة المرسومة له في سنته الأولى . 

الحلقة العاشرة .. تعسرت

امتطينا السيارة متجهين لمكان لانعلمه ، محملين بحزمة ضخمة من الخيبة وتفاصيل موغلة بالقلق ، تحدثنا عما حدث ، ومايمكن له أن يحدث ، كنت أحاول التخفيف من وقع الحكاية الحادّ ، وهذا شأن ليس سهلاً على الدوام ، فكنت أقول :
– لقد فعلنا شيئا جميلاً قبل أن نقص تذكرة مغادرتنا عن هذه الدنيا 
فيردّ مالك مبتسماً :
– نعم .. لانقلق ياصديقي .. لانقلق
ابتسم بدوري قائلاً :
– هذا المكان جيد للتنفس ،
فيردف مازحاً :
– هو كذلك يا ” فاصل ” ، وهي اللهجة العتيبية الجميلة لنطق فيصل .
تحدثنا كعادتنا مطولاً ونحن نركل الأحجار في ” العمارية ” وهي منطقة بعيدة عن ضوضاء الرياض الفاضلة .
حاولنا ترميم مايمكن له أن يرمم ، واتفقنا على أنه لايمكن أن نتأخر أكثر لاسيما والأسبوع الخامس شارف على الانتهاء دون تحضير الحلقة العاشرة التي كان مقدراً لها أن تتعسر حتى الثلث الأول من يوليو بعد أن اتفقنا مع شركة AD على الاعتناء بما نقوم به ، وهذا ماجعلنا نرتدي شيئاً من التفاؤل من جديد .
استمرت عجلة الإنتاج بالدوران ، حتى بدايات 2013 م الذي أنشأنا فيه شركة إنتاج أنميشن سعودية أطلقنا عليها “Lumink – لومِنك ” وتعني الحبر المضيء ، والتي عُمدّت من التلفزيون السعودي في نفس العام إنتاج سلسلة مسامير لشهر رمضان بالتزامن مع يوتيوب . 

رصاصة أخرى 

أكتوبر 2014م ، انتهت التجربة مع لومِنك Lumink ، ولأنها ككل التجارب لها جانب يفيدك ويجعلك أكثر نضجاً في مواجهة حياة متقلبة تكشف لك الحقائق و تحاكم خياراتك السيء منها والموفق ، فقد كانت – رغم فشلها على الصعيد المادي والمعنوي – تجربة قيّمه بدروسها .
في نهاية العام حزمنا حقائبنا بانتظار الرحلة القادمة ، كنا كمن سافروا لجهة بالخطأ ، فقال لهم قائد القطار ” يبدو أننا سلكنا طريقاً خاطئاً طوال سنتين ، لابأس تحلوا بالصبر ، سنتخذ طريقاً آخر ” . 

الشجعان ينتصرون ، أخيراً 

وصلنا لـ 2015م ، فأسسنا شركة ” ميركوت – Myrkott ” ، أنا ومالك وعبدالعزيز المزيني مديراً و عدنان العوبثاني مستثمرًا ، وككل البدايات يرافقك القلق وينتظرك الحلم ، بدت التفاصيل أكثر وضوحاً وترتيباً ، فبلغت أرباح الشركة في سنة ضعف كل تجاربنا السابقة ، بعملاء مهمين كالخارجية الأمريكية ، الحكومة السويدية ، البريطانية ، وزارة داخلية قطر و غيرهم ، ذاك انعكس على مسامير ، كعمل مؤسساتي يُعتمد عليه ، فتصدر قائمة أكثر الفيديوهات مشاهدة لفئة الأفلام لذلك العام . 

نحو الناس .. ليس أبعد

نؤمن أن لو كنّا لامسنا نجاحاً ما فللناس الفضل الأول بعد الله ، وكأطفال مبتهجين بهدايا العيد ، ترتسم على نصف وجوهنا السفلى ابتسامة شاسعة حين نرى مايقوله الناس عنا ، أن نشاهد أحدهم وقد طبع على تشيرته ، كوب قهوته ، نافذة سيارته الخلفية ، جدار الحي شخصية مساميرية .. أن يقص عليك طالب بكلية عسكرية كيف أنهم يجتمعون حين يغط الضابط بسباته المنتظر – بزاوية ما ليشاهدوا الحلقة رغم صرامة الحملات التفتيشية ، أن يلتقيك معلم / طبيب ليستأذنك بعرضه في مدرسته / مستشفاه الذي يعمل به .
أو أن يحدثك أخ يسكن في بلد عربي عن محبته لمسامير مع محاولاته لفهم بعض الكلمات .. كل هذا ، يجعل منّا أكثر صلابة على تحمل الظروف التي لاتنفك على إظهار رأسها كل نهار .

* مازلنا أحياءً ..

ونحن نتخطى حاجز 250 مليون مشاهدة في بداية 2016 م .. ها نحن نواصل الهتاف ضد الأخطاء .. نمارس شيئاً من الكتابة و الفن بأدواتنا ، وننهض نحو مجتمع أقل ثقوباً وأكثر رفعة ،بشكل آخر نقول : هذه أصواتنا ،فأنصتوا لها .

يوليو 2013م
تحديث
مارس 2016م
 

21 تعليقات

  1. محمد الحربي
    24 مايو، 2013

    تحيه طيبه لكم

    انا احد متابعينكم واحد المحبين لكل ماتعملونه

    فاوالله انكم ابدعتم وعبرتهم مافي صدور الضعفاء

    اتمنى لكم الاستمرار , واتمنى ان نجد فرصه لدعمكم مادياً
    فكل منا يساعد الاخر
    فأنت ياخ فيصل بقلمك ومالك بموهبته ونحن باذن الله بمالنا وبدعمنا في اليوتيوب وغيره

    اهم شي أن لا تتوقفوووووووووووو

    رد
    • فيصل العامر
      29 أكتوبر، 2013

      كل الشكر محمد ، مشاهدتكم لما نقوم به .. هي أثمن دافع

      رد
  2. محمد الحربي
    24 مايو، 2013

    وان شاء الله نجد

    اليوم اللذي فيه تكون الحرية مدركه لمن لا يفهم معناها

    حين اذا سنرى الحلقة اللتي لم تعرضوها

    رد
  3. Amal
    31 مايو، 2013

    جميل …. أحسنتم
    نبي قصيدة ثانية لهزاع المنبثق 🙂

    رد
    • فيصل العامر
      29 أكتوبر، 2013

      أهلاً أمل ..
      هزاع معتكف بصومعته ، يقول أنه يحضر لقصيدة عظيمة يتكتم على تفاصيلها !

      رد
  4. مريم
    26 أغسطس، 2013

    ابي اشوف هالحلقة اللي ما شافها احد خلتني احترق من اللقافة مع انها يمكن تطيركم ورا الشمس بس محد قالك “ان تشي باصحابك “

    رد
    • فيصل العامر
      29 أكتوبر، 2013

      أبشري ، في حال كنتِ محامية !

      رد
      • غير معروف
        9 سبتمبر، 2015

        نبي قصيدة للدكتور عادل بن عبد الرحمن

        رد
        • فيصل العامر
          10 سبتمبر، 2015

          شخصية د . عادل من مسامير ماهو شاعر ، هو مولود دكتور بس

          رد
  5. سليمان الدعيس
    11 يناير، 2014

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,

    في بداية الأمر أنا لستُ سعودياً إن كان هذا سيغير قليلاً من ردةِ فعلكَ بعد تعليقي هذا ,

    عزيزي ( فيصل العامر ) أرى إسمكَ يزينُ كلّ حلقةٍ من مسامير , بل تستطيع القول بأنني أعتبرهُ البطل الحقيقي في هذه السلسلة المنفصلة , فكونكَ لا تظهرُ شخصياً في المشاهد هذا بحدّ ذاته فعلٌ كبير لتصبحَ الأولَ ( مساميرياً ) !

    قرأتُ ( عن ” مسامير ” أتحدث ) أعجبتني صياغتك لتلك الأوجاع التي مررت بها , وطريقة أدائكَ لأحلامك التي حاولتَ جاهداً الوصولَ إليها , بالمناسبة سأحاولُ الوصولَ لكتابكَ ( شَغَبْ ) , وكلي ( شَغَفْ ) لتناولهِ والإستمتاع والإنبهار كذلك بما سيحمله ..

    ..

    أستاذ ( فيصل ) الحلقة التي لم تُعرض لا ينبغي بالضرورة أن يكونَ المانعُ فيها هوَ أمرٌ ( بوليسي ) كما أصبحَ الجميعُ يتوهم , ربما لعدم رضاكم عنها منعتموها , هنا أحاول إيصال رسالةٍ لمحبي الإنتقاد كيفما كان , وكيف كانت سبله وطرقه بأن ( تخلوا من النظرة النمطية التي ترونَ بها الحياة الإعلامية ) !

    أستاذ ( فيصل ) كن بخير , وكن أكثرَ تفوقاً !

    ..

    ستكن من الخالدين أشعر بهذا ..

    |~

    رد
    • محمد جارالله
      10 مايو، 2017

      حتى هنا يا دعيس

      رد
  6. فيصل العمري
    7 فبراير، 2014

    قمة الابداع والتجديد ماتعملون راهنت على نجاحكم وكنت واثق من ذلك حاولت بصفتي معجب بما قدمتم سد افواه بعض من حولي وهم يقولون (تتابع كراتين وش بقيت للصغار) مهما قلت لن استطيع وصف ابداعكم وشكرا …..

    رد
  7. أسماء
    25 مايو، 2014

    مسامير مع احترامي الشديد يحمل شحنات سلبية عالية جدا .. يوثق الحالة “الرجعية” التي دائما ما تكون متصلة بشكل او بآخر بالبدو خاصة وبالقبيلة عامة كحالة حتمية ومستمرة .. ودائما أتساءل ان كنا فعلا نستحق أن يوثق عنا كل هذا .. وهذا فقط
    أنت ترى في مسامير النقيضين .. المثقف جدا و الأحمق جدا ولكن التوجه كله يتركز في “كيف يعيش المثقف جدا مع كم الحماقة والرجعية هذا” .. وهذه بحد ذاتها فوقية ولا إنسانية وهي نفس الانتقادات التي يسعى المثقف جدا لإيصالها لنا عن اخوانه الحمقى جدا.
    الكثير من الكتاب لكن معظم الكتاب القبليين يحملون ذات التوجه “الساخط” ولا أدري هل هذا لشمولية نظرتهم حقا أم لأن محيطهم بائس فعلا ! ولا أظن ذلك ..
    انا اتساءل ان كانت ثقافة الكتابة لدينا هي عبارة عن توثيق لحالات سخط.. عوضا عن النظر للجمال
    لكن لكل وجهة هو موليها : )
    تحياتي لكم و تمنياتي بالتوفيق

    رد
  8. بشرى
    27 سبتمبر، 2014

    استمروا مااستطعتم
    فأنا من أشد متابعيكم
    ومن المتعطشين لمشاهدة حلقاتكم الممتعة
    وسأقف بجانبكم مهما طال الزمن
    بترويج ونشر أعمالكم للناس

    مستعدة لأن أفعل أي شيء لمساعدتكم

    رد
  9. خميس
    19 يوليو، 2015

    عملكم رائع, أرجو أن تستمروا هكذا على الإعلام الحر وأن لاتتجهوا إلى الإعلام الموَجِه.

    رد
    • فيصل العامر
      4 أغسطس، 2015

      شكراً جزيلاً خميس ، لا قيمة للعمل الفني دون حرية

      رد
  10. ..
    13 فبراير، 2016

    انت الأفضل .. للأبد .

    رد
  11. حسام الحبابي
    13 فبراير، 2016

    موفق استاذ فيصل انت وفريقك .

    انا جدا معجب بشخصك و بنصوصك وطريقة صياغتها على شكل مسامير ، ك سعوديين نحن فخورين بكم جدا جدا واتمنى لك كل التوفيق . ننتظر ابداعكم دوما .

    رد
  12. غير معروف
    30 مارس، 2016

    راائع جداً ،،استمروا

    رد
  13. نبيل
    21 ديسمبر، 2016

    سلام عليكم:
    مبادرة لاائعة ،نشكركم
    توجد شخصية الذي لا يتكلم ،في الواقع افسدت علي الحلقات
    شخصية الكلب رائعة
    شكرا لكم

    رد
  14. ساسة بوست : كوميديا الخليج.. كيف أصبح السعوديون «أولاد نُكتَة» جُدد؟ – أخباري الآن
    27 فبراير، 2017

    […] عبر الإنترنت «لعدم جدوى التليفزيون وقلة مشاهديه»، على حد قولهم، وتحت اسم «مسامير» وفقط، فأسسوا لذلك شركة «Myrkott» التي […]

    رد

اضافة تعليق